“هيهات هيهات ؛ المُتلَّونون سينكشفون ذات يوم”

 

بقلم: م. رامي حزيمي

في مسرح الحياة ، تتعدد الشخصيات وتتباين الألوان ، غير أن أكثرها زيفًا وتناقضًا هم المتلونون ؛ أولئك الذين يتقنون فن التبدّل ، ويجيدون ارتداء الأقنعة في كل موقفٍ بما يخدم مصالحهم ، لا يعرفون للثبات مبدأً ، ولا للصدق طريقًا.

يتقربون حين تكون المنفعة قريبة ، ويتنكرون حين تتبدل الأحوال ، ظنًا منهم أن ذكاءهم سينقذهم من السقوط ، لكن “هيهات هيهات ، سينكشفون ذات يوم”.

المتلون يعيش كالحرباء ، يتلون وفق ما يحقق له مصلحةً آنية ، لا وفاء له لصديق ، ولا إخلاص لمبدأ ، ولا انتماء لقيمة.

تراه يمدحك اليوم ، فإذا غبت ساعةً تغيّر لونه وتبدّل حديثه ، وكأن قلبه مرآةٌ لكل من يقف أمامها.

وفي المجالس ، يكون مع الجميع وضد الجميع في آنٍ واحد ، لا رأي له سوى ما يحقق له مكسبًا ، ولا ضمير يردعه إن تلاعب بثقة الآخرين.

ولعلّ أكثر ما يفضح المتلونين هما الوقت والمواقف الصعبة ، فهي كالمرايا الصادقة التي لا تخدع أحدًا ، في لحظات الشدة ، يسقط القناع ، وينكشف وجه الحقيقة.

كم من شخصٍ كان يملأ الأرجاء وُدًّا وتقديرًا ، فلما جاءت لحظة الاختبار ، اختفى ، وتوارى ، أو كان أول من تخلى ، ليُظهر أنه لم يكن صديقًا ، بل كان مستفيدًا.

أحد المواقف الاجتماعية المؤلمة تحكي عن رجلٍ أحاط نفسه بزملاء يظهرون له الاحترام كل يوم في عمله ، يشاركونه النجاح ويصفقون له ، لكنه حين واجه أزمة مالية طارئة ، لم يجد منهم أحدًا.

حتى من كان يبتسم في وجهه صباحًا ، تجاهله كأنه لا يعرفه ، حينها فقط ، أدرك أن كثيرًا من العلاقات ليست صداقاتٍ حقيقية ، بل مصالح مؤقتة تتغذى على العطاء لا على الوفاء.

وفي المقابل ، هناك من كانت له مكانة اجتماعية مرموقة ، فالتفّ حوله المتمّلقون بألوانهم الزاهية ، يزينون له قوله وفعله ، ويرفعونه إلى السماء ، وما إن تبدل الحال وانطفأ بريق المنصب ، حتى انفضّوا عنه ، وكأنهم لم يعرفوه يومًا.

تلك هي طبيعة المتلونين ؛ لا يوالون إلا المصلحة ، ولا يخاصمون إلا عند انقطاع النفع.

خطر هؤلاء لا يقف عند حدود الخداع الفردي ، بل يمتد إلى تدمير النسيج الاجتماعي ، فهم يزرعون الشك بين الناس ، ويفسدون روح الثقة والتعاون ، لأنهم يجعلون الآخرين يترددون في منح قلوبهم ، خوفًا من أن تُلدغ من ذات اللون المتغير.

لكن العدالة الربّانية والناموس الطبيعي للحياة كفيلان بكشفهم ، فالحياة لا تستمر على الزيف ، والزمن لا يحفظ إلا الصادقين.

ومع كل يومٍ يمضي ، تتساقط أوراق الزيف عن وجوه المتلونين ، ليبقى أصحاب المبدأ كالنخل ، ثابتين رغم الرياح العاتية.

وفي النهاية ، تبقى القاعدة التي لا تتبدل:

“قد يخدع المُتلّون الناس لبعض الوقت ، لكنه لا يستطيع أن يخدع الجميع كل الوقت”.

فليحذر الإنسان من أن يكون منهم ، وليحذر أكثر من أن يحيط نفسه بهم.

فالمتلونون كالظلّ في النهار ، لا تراهم حين تغيب الشمس.

سلمي

Related Posts

فوائد إصلاح ذات البين

العارضة – صحيفة صدى نيوز اس عبدالله شراحيلي في عالمٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتشابك فيه العلاقات الإنسانية، تبرز الحاجة الملحّة إلى خلق بيئة يسودها الوئام والتسامح. ويُعدّ إصلاح ذات البين من أعظم القيم الإنسانية والإسلامية التي تسهم في ترميم العلاقات، وتقوية الروابط، ونشر السكينة بين الأفراد والمجتمعات. وقد حثّ الإسلام على هذا الخلق العظيم، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، فجعل الإصلاح…

رفقة العمر التي لا تشيخ

  بقلم أ. غميص الظهيري في مشهدٍ إنسانيٍّ يعكس أسمى معاني الوفاء، لا تزال صداقة زملاء الدراسة في المعهد العلمي بمحافظة المندق حاضرةً ومتجددة، رغم مرور نحو خمسةٍ وأربعين عامًا على تخرجهم. لم تنل المسافات ولا مشاغل الحياة من تلك الروابط العميقة، بل زادتها الأيام رسوخًا وقوة. وفي ليلةٍ من ليالي الأخوة الصادقة، اجتمع هؤلاء الزملاء على مائدة الذكريات، يستحضرون تفاصيل البدايات، ويستعيدون مواقف الطفولة والشباب.…

لقد فاتك ذلك

حسن الصلهبي في أليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف بدأه بالعزف على أوتار مهترئة نحو الترجمة العالمية 

  • By
  • أبريل 24, 2026
  • 54 views
حسن الصلهبي في أليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف بدأه بالعزف على أوتار مهترئة نحو الترجمة العالمية 

الأستاذ محمد العامى مديرًا لمكتب صحيفة صدى فى الباحة

  • By
  • أبريل 24, 2026
  • 65 views
الأستاذ محمد العامى مديرًا لمكتب صحيفة صدى فى الباحة

صبيا تستعيد ذاكرتها في اليوم العالمي للكتاب “مريع” يروي حكاية الأرض والإنسان بمقهى “سونق”

  • By
  • أبريل 24, 2026
  • 16 views
صبيا تستعيد ذاكرتها في اليوم العالمي للكتاب “مريع” يروي حكاية الأرض والإنسان بمقهى “سونق”

فوائد إصلاح ذات البين

  • By
  • أبريل 24, 2026
  • 24 views
فوائد إصلاح ذات البين

صبيا تستعيد ذاكرتها في اليوم العالمي للكتاب مريع يروي حكاية الأرض والإنسان بمقهى سونق

  • By
  • أبريل 24, 2026
  • 29 views
صبيا تستعيد ذاكرتها في اليوم العالمي للكتاب مريع يروي حكاية الأرض والإنسان بمقهى سونق

بيوتٌ أذن الله أن تُرفع.. فهل رفعناها؟خطبة الجمعة الموحدة تؤكد: المساجد أمانة في أعناق الجميع

  • By
  • أبريل 24, 2026
  • 41 views
بيوتٌ أذن الله أن تُرفع.. فهل رفعناها؟خطبة الجمعة الموحدة تؤكد: المساجد أمانة في أعناق الجميع

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode