بقلم الدكتور/
مازن إسماعيل محمد : مكة المكرمة:-
تُعد المواد الذكية (Smart Materials) من أبرز الابتكارات العلمية التي تجمع بين الديناميكية البنيوية والاستجابة الوظيفية للمؤثرات الخارجية، مما يجعلها محط اهتمام واسع في مجالات متعددة كالهندسة، الطب
،والبيئة.
وفي هذا السياق، يبرز الوقود الكيرالي (Chiral Fuel) كمحفز فريد من نوعه، قادر على إحداث تغيرات دقيقة في البنية الجزيئية للمواد الذكية، نتيجة لامتلاكه خاصية اللاتناظر الفراغي (Chirality) التي تمنحه قدرة انتقائية عالية في التفاعل. إن دراسة العلاقة بين المواد الذكية والوقود الكيرالي تفتح آفاقًا جديدة لفهم كيفية استجابة هذه المواد للتغيرات البنيوية والضوئية، بما ينعكس على خصائصها الوظيفية ويعزز من إمكانياتها التطبيقية.
تبدأ هذه الدراسة بتحضير مواد ذكية تعتمد على بوليمرات مستجيبة مثل Poly(N-isopropylacrylamide) أو Polyaniline، يتم دمجها بجزيئات كيرالية مثل مشتقات الأحماض الأمينية أو حمض اللبنيك، وذلك إما عبر روابط تساهمية (Covalent Bonds) أو تفاعلات غير تساهمية مثل الروابط الهيدروجينية (Hydrogen Bonding) أو التكدس π-π. هذا الدمج يتيح للوقود الكيرالي أن يؤثر مباشرة على ترتيب السلاسل الجزيئية داخل المادة، مما يؤدي إلى تغيرات ملموسة في بنيتها الداخلية. وقد تم استخدام تقنيات تحليلية دقيقة مثل Fourier Transform Infrared Spectroscopy (FTIR)، X-ray Diffraction (XRD)، وRaman Spectroscopy لرصد هذه التغيرات البنيوية، التي غالبًا ما تتجلى في تغير درجة التبلور أو نمط التماثل الجزيئي.
أما من الناحية الضوئية، فقد أظهرت المواد الذكية المستجيبة للوقود الكيرالي قدرة على تعديل خصائصها البصرية بشكل انتقائي، حيث تم توظيف تقنيات مثل Ultraviolet-Visible Spectroscopy (UV-Vis)، Photoluminescence (PL)، وCircular Dichroism (CD) لرصد هذه التغيرات. وقد لوحظ أن نوع الكيرالية (يمين أو يسار) يؤثر بشكل مباشر على استجابة المادة، مما يفتح المجال لتطبيقات دقيقة في التمييز بين المتماكبات الفراغية (Enantiomers) أو التحكم في تدفق الضوء داخل الأنظمة النانوية.
من حيث التطبيقات، تقدم هذه المواد إمكانيات واعدة في مجالات متعددة. ففي الكيمياء التحليلية، يمكن استخدامها كمستشعرات كيرالية (Chiral Sensors) ذات انتقائية عالية للكشف عن الأدوية أو الملوثات. وفي مجال الضوئيات، تتيح إمكانية تطوير مفاتيح ضوئية (Optical Switches) تعتمد على نوع الكيرالية، مما يعزز من التحكم في الإشارات البصرية. كما يمكن توظيفها في صناعة الأقمشة الذكية (Smart Textiles) التي تغير لونها أو نفاذيتها حسب نوع الوقود الكيرالي المستخدم، بالإضافة إلى إمكانية استخدامها في أنظمة تخزين الطاقة أو الخلايا الوقودية (Fuel Cells) التي تستجيب للتغيرات البنيوية.
إن هذه الدراسة لا تقتصر على توصيف التغيرات، بل تفتح المجال أمام أبحاث مستقبلية تهدف إلى تطوير نماذج حاسوبية لمحاكاة التفاعلات الكيرالية، واستكشاف المواد ثنائية الاستجابة (Dual-Responsive Materials) التي تجمع بين التأثيرات الضوئية والحرارية. كما يمكن توظيف هذه المواد في الحوسبة الجزيئية (Molecular Computing) أو الذاكرة الضوئية (Optical Memory)، حيث تمثل الكيرالية وحدة معلومات قابلة للتحكم.
وفي الختام:تمثل العلاقة بين المواد الذكية والوقود الكيرالي نموذجًا متقدمًا للتفاعل الكيميائي الموجه، الذي يجمع بين الدقة البنيوية والاستجابة الوظيفية. هذا النموذج لا يثري الفهم العلمي فحسب، بل يفتح الباب أمام تطبيقات تقنية متقدمة تسهم في تطوير أنظمة ذكية قادرة على التكيف والتفاعل مع بيئتها بشكل غير مسبوق، مما يعزز من دور الكيمياء الفراغية في تصميم المواد المستقبلية.






