جازان /.محمد باجعفر
بين رهج ووهج، إنطفأت شمعة ليلي، وأختفى أثرها عن عيني. بدا العالم وكأنه توقف عن الحركة، وكأن الليل نفسه أخذ نفسًا عميقًا، يستمع لي بصمت، يراقب خطواتي البطيئة، وكل اهتزاز في قلبي. الهواء المحيط بي أصبح أثقل، لكنه ليس ثقلًا مؤلمًا، بل٧ ثقل يربطني بالحقيقة، بالحياة، بالذات. في هذا الثقل، شعرت بأن الغياب ليس فراغًا، بل مساحة واسعة للوعي، للبحث، للاستماع لما لا يُرى.
أفتح عيني مرة أخرى، أنظر إلى الغرفة، وأرى الظلال تتراقص ببطء على الجدران. كل زاوية، كل أثاث، كل قطعة خشبية صغيرة، أصبحت جزءًا من لوحة أكبر، لوحة الليل والذكريات، لوحة الرهج والوهج. كل ظل أصبح همسًا، كل همس أصبح رسالة صامتة: “انظر إلى الداخل، استشعر، أحب، حتى في الغياب”.
أغلق الباب خلفي، وأسمح للغرفة أن تصبح عالماً منفصلاً، حيث أستطيع أن أتنفس كل لحظة بعمق. كل نسمة هواء، كل حركة ضوء خافت، كل صدى بعيد، يتحول إلى شعور متداخل مع الداخل، مع الذكريات، مع الألم والفرح، مع الغياب والحضور. أشعر بأن كل شيء رحل ليعود بشكل آخر، أكثر وضوحًا في داخلي، أكثر وهجًا رغم خفته.
أصعد إلى الشرفة، أطل على المدينة، وأرى الأضواء البعيدة كأنها نجوم صغيرة، تتلألأ، تختفي، ثم تظهر من جديد. السيارات تمر ببطء، أصوات بعيدة تصل إليّ، كأنها رسائل من الليل ذاته. أرى النهر البعيد يلمع بخفة، أسمع خريره الصامت، وأدرك أن كل شيء حولي—كل الضوء، كل صمت، كل حركة—يتكلم معي عن الرهج، عن الوهج، عن الفقد، عن العثور.
أجلس على حافة الشرفة، أضع يدي على قلبي، وأغوص في ذكرياتي: وجوه رحلت، كلمات لم تُقل، لحظات ضاعت، ضحكات وبكاء، فرح وحزن، كلها تختلط في داخلي لتكوّن لوحة كبيرة من المشاعر، لوحة لا يمكن أن تُرى بالعين، لكنها واضحة للروح. كل لحظة غياب تحولت إلى وهج داخلي، كل فقد أصبح درسًا، كل رهج أصبح رسالة صامتة عن الجمال الذي يولد في الداخل.
أغلق عيني، وأسمح للعالم الخارجي أن يتلاشى تدريجيًا، لأسمع الموسيقى الداخلية: نبض قلبي، همس الهواء، صدى خطواتي، صمت النجوم. كل شيء أصبح جزءًا من الليل، جزءًا من رحلة داخلية أكتشف فيها نفسي، أستعيد كل ما اختفى، أرى ما لم أستطع رؤيته في وضح النهار.
أشعر بأن الليل يمتد بلا حدود، وأنني أستطيع التحرك بحرية بين الماضي والحاضر والمستقبل، بين الذكريات والخيال، بين الغياب والحضور. كل رهج وكل وهج وكل صمت وكل ضوء، كلها وجوه لحقيقة واحدة: أننا قادرون على أن نضيء داخلنا، على أن نحمل الضوء في قلوبنا، على أن نرى الجمال في كل شيء، مهما اختفى الضوء الخارجي.
ثم أسمع صدى ضحكة بعيدة، كأنها تعيد لي شيئًا من الماضي، شيئًا دفئًا يختبئ بين الظلال. أرى ظلال الشجرة تتحرك على الجدار، أشعر بالريح تتسلل بين أصابعي، أرى الأضواء البعيدة تتلألأ في المدينة، وكلها تتقاطع مع وهجي الداخلي، مع رهجي الداخلي، مع صمت الليل، لتصبح لوحة واحدة متكاملة من الوجود، لوحة تجعل القلب ينبض بقوة، تجعل الروح تحلق بلا قيود.
أجلس مستسلمًا لهذا الإحساس، وأدرك أن كل ليلة تحمل معها شمعة جديدة، وهجًا جديدًا، درسًا جديدًا. كل غياب ليس نهاية، وكل فقد ليس فراغًا، وكل صمت ليس بلا معنى. كل شيء—الليل، الذكريات، النجوم، الظلال، الريح—هو دعوة للتأمل، للحب، لرؤية الجمال، لفهم الحياة.
وفي هذه اللحظة، أفهم أن الرحلة لم تنتهِ، وأن الليل مستمر، وأن الشمعة التي انطفأت قد تركت مكانها لهجس داخلي لا ينطفئ، وأن كل رهج وكل وهج وكل صمت وكل ضوء أصبح جزءًا مني، جزءًا من رحلتي، جزءًا من وجودي، جزءًا من القلب الذي تعلم أن يحب الضوء، حتى عندما يغيب، حتى عندما يختفي كل شيء.






