بقلم: كمال فليج _ الجزائر
لم يعد الإنسان يعيش في عالمٍ واحد كما كان في السابق، بل صار يتقاسم وجوده بين واقعٍ ملموس يراه بعينيه ويلامسه بيديه، وواقعٍ افتراضيٍّ يسكن الشاشات ويعيد تشكيل الوعي والعلاقات والاهتمامات. وبين هذين العالَمين، يقف الإنسان المعاصر في حالة شدٍّ وجذب، يحاول أن يوازن بين ما هو حقيقي وما هو مُصطنَع.
الواقع المعاش هو عالم التفاصيل الصغيرة: وجوه الناس، دفء العلاقات، صعوبة الحياة اليومية، العمل، الألم، والفرح الصادق الذي لا يُختصر في رمزٍ تعبيري. هو واقع يفرض قوانينه بقسوة أحيانًا، لكنه يعلّم الإنسان الصبر، ويصقل التجربة، ويمنح المعنى الحقيقي للإنجاز والانتماء.
في المقابل، يقدّم الواقع الافتراضي عالَمًا بلا حدود جغرافية، تُصنع فيه الصور بعناية، وتُنتقى الكلمات بدقة، وتُخفى العيوب خلف فلاتر براقة. هو فضاء يتيح التواصل السريع، ونقل المعرفة، وصناعة الفرص، لكنه في الوقت نفسه قد يتحوّل إلى ملاذٍ للهروب من الواقع، أو مسرحٍ للزيف، حيث تُقاس القيم بعدد الإعجابات، وتُختزل العلاقات في رسائل عابرة.
المشكلة لا تكمن في وجود الواقع الافتراضي، بل في هيمنته حين يطغى على الواقع المعاش. حين يصبح الإنسان أكثر حضورًا على الشاشة منه في حياته، وأكثر اهتمامًا بصورته الرقمية من ذاته الحقيقية، يفقد التوازن النفسي والاجتماعي، ويتحوّل التواصل إلى استهلاك، والصداقات إلى أرقام.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الواقع الافتراضي أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياتنا المعاصرة، أداةً لا غنى عنها في التعليم، والإعلام، والثقافة، وحتى في توثيق الذاكرة الجماعية. غير أن الوعي هو الفيصل؛ وعيٌ يجعلنا نستخدم التقنية دون أن تستعبدنا، وننفتح على العالم دون أن نفقد جذورنا.
إن التحدي الحقيقي اليوم هو كيف نعيد الاعتبار للواقع المعاش دون أن نعادي الواقع الافتراضي، وكيف نصنع إنسانًا رقميًّا أخلاقيًّا لا ينسى إنسانيته. فالحياة، مهما تطوّرت أدواتها، لا تُقاس بما نعرضه على الشاشات، بل بما نعيشه بصدق في أعماقنا.






