الرئيسية مقالات قراءة فلسفية–نفسية–اجتماعية في خطاب التحفيز المعاصر وصناعة الوهم الإيجابي

قراءة فلسفية–نفسية–اجتماعية في خطاب التحفيز المعاصر وصناعة الوهم الإيجابي

14
0

أسطورة التفرد المطلق

بقلم: أحمد علي بكري

يُنسب إلى أحد كتّاب التحفيز المعاصرين قوله:

«أنت لست نسخة من أحد.

طريقك مختلف، وقدراتك مختلفة ورسالتك مختلفة.

ما نجح مع غيرك ليس شرطًا أن ينجح معك،

وما كُتب لك لن يأخذه سواك.

كن نفسك، فهنا يبدأ تميزك.»

تنتشر هذه المقولة، وأمثالها، انتشارًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، وتُستقبل عادة بوصفها حقيقة إنسانية بديهية، ورسالة إيجابية لا خلاف عليها. فهي تخاطب حاجة نفسية عميقة لدى الإنسان المعاصر: الحاجة إلى الاعتراف، وإلى الشعور بالقيمة، وإلى الاطمئنان بأنه ليس أقل شأنًا من غيره.

غير أن التفكير النقدي، حين يتجاوز الانطباع الأول، يفرض سؤالًا ضروريًا:

هل كل ما يُشعرنا بالارتياح صادق؟ وهل كل خطاب تحفيزي يخدم الإنسان فعلًا؟

هذه المقالة ليست هجومًا على التحفيز، ولا دفاعًا عن الإحباط، بل محاولة لتفكيك خطاب شائع، جميل لغويًا، لكنه إشكالي معرفيًا، وقد يكون – في بعض تجلياته – سببًا في صناعة ثقة زائفة، وصراع داخلي، واغتراب هادئ لا يُلتفت إليه.

أولًا: الجذور الفكرية لشعار «كن نفسك»

لفهم هذا الخطاب، لا بد من العودة إلى أصوله الفلسفية.

ففكرة “كن نفسك” ليست اختراعًا معاصرًا، بل تعود جذورها إلى الفكر الوجودي الحديث، عند فلاسفة مثل كيركغارد وجان بول سارتر، حيث يُنظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا غير مكتمل، يُلقي به الوجود في العالم دون دليل إرشادي، ويُطلب منه أن يصنع ذاته عبر الاختيار والمسؤولية.

غير أن الوجودية، في أصلها، لم تكن فلسفة مريحة أو مطمئنة، بل كانت فلسفة قلق، وثقل، ووعي حاد بالحدود.

سارتر لم يقل إن الإنسان قادر على كل شيء، بل قال إن الإنسان مجبَر على الحرية، وإن كل اختيار هو عبء أخلاقي ووجودي.

ما حدث لاحقًا هو أن هذا العمق الفلسفي جرى تبسيطه وتسويقه، ليُنتج خطابًا تحفيزيًا سريع الاستهلاك، يقدّم أجوبة جاهزة بدل أسئلة صعبة، ويمنح شعورًا فوريًا بالتميز دون أن يطلب ثمنه الطبيعي: العمل، والوقت، والفشل، والاحتكاك بالواقع.

ثانيًا: الذات… بين الوهم والاكتشاف والبناء

من أكبر الإشكالات في خطاب التحفيز المعاصر افتراضه أن “الذات” شيء جاهز في داخل الإنسان، ينتظر فقط لحظة اكتشاف.

لكن الفلسفة، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا، تتفق على أن:

الذات لا تُكتشف، بل تُبنى.

فالإنسان لا يولد وهو يعرف نفسه، ولا يمتلك رسالة واضحة، ولا طريقًا محددًا.

الذات تتشكّل عبر:

التقليد قبل الابتكار

التعلّم قبل الإبداع

الخطأ قبل الصواب

والاحتكاك بالآخر قبل الاستقلال عنه

حين يُقال للإنسان: «كن نفسك» دون أن يُقال له إن هذه النفس لم تتكوّن بعد، يتحول الشعار إلى نوع من الغموض المضلل، وربما إلى ضغط نفسي خفي:

كيف أكون نفسي، وأنا لا أعرف بعد من أكون؟

ثالثًا: الإنسان ككائن اجتماعي لا فرد معزول

منذ أرسطو، والإنسان يُعرَّف بأنه كائن اجتماعي بطبعه.

وهذا التعريف لا يعني فقط أن الإنسان يحتاج إلى الآخرين عاطفيًا، بل يعني أن:

لغته مكتسبة

أفكاره موروثة

قيمه مشروطة بثقافته

حتى طموحاته تتشكل داخل سياق اجتماعي وتاريخي محدد

ومع ذلك، يروّج الخطاب التحفيزي لفكرة التفرد المطلق، وكأن الإنسان يستطيع أن يصنع ذاته خارج الجماعة، أو دون التعلم من تجارب غيره.

وهنا يظهر التناقض:

كيف يمكن لإنسان أن ينكر أثر الآخرين فيه، ثم يطمح إلى تجاوزهم؟

الحقيقة أن كل إنجاز إنساني هو حلقة في سلسلة طويلة.

لا مفكر دون من سبقوه، ولا فنان دون تقليد، ولا نجاح دون تعلم من أخطاء الآخرين.

رابعًا: تجاهل الفروق البشرية… إنكار الواقع باسم الأمل

من أخطر ما يقدمه خطاب التحفيز السطحي تجاهله للفروق الواقعية بين البشر.

فالناس لا يتساوون في:

القدرات الجسدية

الاستعدادات العقلية

أنواع الذكاء

الظروف الاقتصادية

البيئة الثقافية

ورأس المال الاجتماعي

القول إن “كل شخص يستطيع أن يكون ما يريد” قد يبدو عادلًا أخلاقيًا، لكنه غير دقيق علميًا.

فالطموح الذي لا يُبنى على فهم هذه الفروق يتحول من دافع إلى عبء، ومن أمل إلى صراع داخلي.

الاعتراف بالحدود ليس هزيمة، بل بداية وعي.

ومعرفة الإمكانات الحقيقية هي الشرط الأول لتطويرها.

خامسًا: الثقة الزائفة وصراع الذات المتخيلة

حين يُزرع في الإنسان شعور بالقدرة المطلقة دون أساس واقعي، تنشأ فجوة خطيرة بين:

الذات المتخيلة: ما أعتقد أنني يجب أن أكونه

الذات الواقعية: ما أنا عليه فعليًا الآن

هذه الفجوة تُنتج:

إحباطًا مزمنًا

شعورًا بالفشل رغم الجهد

قلقًا وجوديًا

وأحيانًا عداءً صامتًا للمجتمع أو للذات

وهنا تتحول عبارات التحفيز من أدوات دعم إلى مصادر ضغط نفسي، لأن الفشل لا يُفسَّر بوصفه مرحلة طبيعية، بل بوصفه خيانة للذات أو نقصًا داخليًا.

سادسًا: النجاح بين الوهم والقانون الطبيعي للتدرج

الفلسفة الواقعية، من أرسطو إلى ابن خلدون، تؤكد أن:

«الطبيعة لا تعرف القفز»

كل نمو حقيقي هو نتيجة تراكم:

مهارات

خبرات

وقت

صبر

واحتكاك طويل بالواقع

لكن ثقافة السرعة التي فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي صوّرت النجاح كحدث مفاجئ، لا كمسار طويل.

وهذا أخطر ما في الخطاب التحفيزي الحديث: إلغاء الزمن.

فالنجاح لا يتحقق بعصا سحرية، ولا بقفزة ذهنية، بل بسلم طويل، درجة بعد درجة.

سابعًا: التحفيز بوصفه صناعة لا فلسفة

لا يمكن فصل خطاب التحفيز المعاصر عن سياقه الاقتصادي والثقافي.

فنحن نعيش في زمن تُباع فيه المشاعر، وتُسوَّق فيه الثقة، ويُختزل التعقيد الإنساني في عبارات قابلة للمشاركة السريعة.

في هذا السياق، يصبح التحفيز:

منتجًا

لا معرفة

وسلعة

لا حكمة

وكل سلعة تحتاج إلى تبسيط، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة.

نحو خطاب تحفيزي أكثر نضجًا وإنسانية

لسنا بحاجة إلى قتل الأمل، بل إلى تعقيله. لسنا بحاجة إلى تحطيم الطموح، بل إلى تأصيله.

الخطاب الناضج هو الذي يقول:

نعم، لديك إمكانات نعم، يمكنك التطور لكن ليس بلا حدود وليس بلا وقت وليس بلا تعلّم من الآخرين

خاتمة: التميز يبدأ من الصدق لا من الوهم

ليست المشكلة في عبارة: «أنت لست نسخة من أحد»،

بل في الاعتقاد بأن هذا يكفي.

التميّز الحقيقي لا يبدأ بإنكار الواقع،

بل بفهمه.

ولا يتحقق بالقفز فوق الذات،

بل بالعمل الهادئ على تطويرها.

فربما يكون السؤال الأصدق ليس:

كيف أكون مميزًا؟

بل:

كيف أكون واقعيًا، صادقًا مع نفسي، وأتقدم خطوة بعد خطوة؟

وهنا فقط، يبدأ النجاح الذي لا ينهار عند أول صدمة،

ولا يحتاج إلى شعارات ليبقى قائمًا.