د . علي إبراهيم خواجي
في كل موسم ، لا تأتي جازان إلى زائريها محمّلة بالخضرة والبحر والجبال فحسب ، بل تحمل معها كنزًا ذهبيًا نادرًا ، اسمه العسل الجازاني
ذلك المنتج الذي تجاوز كونه غذاءً طبيعيًا ، ليصبح عنوانًا لهوية المنطقة ، ورافدًا اقتصاديًا ، وواجهة سياحية متنامية .
ومن هنا يبرز مهرجان العسل في محافظة العيدابي بمنطقة جازان بوصفه حدثًا سنويًا يجمع بين التراث والتنمية ، وبين الموروث الشعبي والرؤية المستقبلية ، وينتظره النحالين من كل مناطق المملكة العربية السعودية .
العسل الجازاني.. جودة تصنعها الطبيعة
تتميّز منطقة جازان بتنوعها الجغرافي والمناخي ، من السهول الساحلية إلى الجبال الشاهقة ، إلى الجزر الفاتنة ، مما أوجد بيئة مثالية لتربية النحل وإنتاج أنواع فاخرة من العسل .
ويأتي المهرجان ليكون منصة تعريف وتسويق لهذا المنتج ، وفرصة لربط المستهلك مباشرة بالنحال في مكان واحد ، في تجربة تعزز الثقة وتبرز القيمة الحقيقية للعسل المحلي .
مهرجان يتجاوز العرض إلى صناعة الوعي
لا يقتصر مهرجان العسل على كونه سوقًا للبيع والشراء ، بل يتحول إلى مساحة ثقافية وتوعوية ، عبر أجنحة تعليمية وورش عمل متخصصة ، تسلط الضوء على :
– طرق تربية النحل الحديثة .
– أساليب فحص جودة العسل .
– التحديات التي تواجه النحالين .
– أهمية النحل في التوازن البيئي والأمن الغذائي .
كما يتيح المهرجان للأسر المنتجة ورواد الأعمال عرض منتجاتهم المرتبطة بالعسل ، من مستحضرات صحية وتجميلية وغذائية ، ما يعزز مفهوم سلاسل القيمة في الاقتصاد المحلي .
بعد اقتصادي وسياحي متنامٍ
يُعد مهرجان العسل رافدًا مهمًا لتنشيط الحركة الاقتصادية في المنطقة ، إذ يسهم في :
– دعم النحالين المحليين ورفع دخلهم .
– جذب الزوار من داخل المنطقة وخارجها .
– تنشيط قطاعات الإيواء والمطاعم والخدمات .
– ترسيخ جازان كوجهة للسياحة الزراعية والريفية .
ويتكامل ذلك مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تنويع مصادر الدخل ، ودعم المنتجات الوطنية ، وتمكين المجتمعات المحلية ، خاصة في المناطق الزراعية .
التنوع الجغرافي الذي تشتهر به منطقة جازان من سهل وجبل وجزر ، أدى إلى تنوع الرحيق الزهري الذي ينتج منه النحل البلدي الأصيل أجود أنواع العسل الذي تشتهر به منطقة جازان ، مما يجعلها من أهم مناطق إنتاج العسل في المملكة .
حيث يُنتج قطاع تربية النحل في جازان أكثر من 1,000 طن من العسل سنويًا بأنواع تتجاوز 15 صنفًا ، والتي من أبرزها ( السدر – السلم – السمر – المجرى – الطلح ) ، يديرها أكثر من 4,000 نحّال ، حسب سجلات الإحصاء في جمعية النحالين في المنطقة ، يمتلكون نحو 450,000 خلية نحل .
هذه الأصناف المتميزة من العسل اكتسبت شهرتها من نقائها وجودتها العالية ، حتى باتت تنافس أجود أنواع العسل محليًا وخليجيًا وعالميا ، حتى أصبحنا نشاهد أحد نحالي المنطقة وهو الأستاذ محمد مجيري يحصد الجوائز العالمية في لندن وباريس .
وفي نسخة المهرجان لهذا العام ضمن موسم “شتاء جازان 2026”، يستعرض المهرجان أكثر من 500 طنًا من العسل ، ويستقطب العديد من الزوار من داخل المنطقة ومن خارجها .
وكذلك تتميز منطقة جازان أنها محمية طبيعية للنحل البلدي الأصيل حسب تصنيفها من قبل وزارة البيئة والمياه والزراعة ، حيث يمنع دخول النحل المستورد للمنطقة ، وذلك للحفاظ على سلالات النحل البلدي الأصيل ، ويجد هذا المنع اهتمامًا كبيرا ومتابعة من قبل إمارة المنطقة .
آخر حرف
في جازان يلتقي التراث بالمستقبل ، حيث يمثل مهرجان العسل صورة مصغرة لروح جازان ، منطقة تعرف كيف تحافظ على تراثها وموروثها الشعبي ، وتستثمره في بناء مستقبلها . فهو احتفال بالنحال قبل العسل ، وبالإنسان قبل المنتج ، وبالأرض التي منحت هذا الرحيق قيمته ومذاقه
وفي كل عام ، يثبت المهرجان أن العسل الجازاني ليس مجرد منتج موسمي ، بل قصة نجاح تتشكل من الطبيعة ، وتصنعها سواعد أبناء المنطقة ، وتُقدَّم للعالم بثقة وجودة .






