الرئيسية مقالات أثر الرحلة

أثر الرحلة

13
0

 

فاطمه بكري

سافرتُ بعيدًا، ثم عدتُ وحدي. لم يتغيّر شيء من حولي في الظاهر؛ الشوارع هي ذاتها، والصباح يجيء في وقته المعتاد، والوجوه تعبر كما كانت تفعل دائمًا. ومع ذلك، لم يعد شيء كما كان. فالقلب الذي يعود من رحلةٍ حقيقية لا يرجع بالحجم نفسه، بل يعود وقد عرف اتساعًا لا يُنسى.

بعض الرحلات لا تُقاس بالمسافة ولا بالزمن، بل بما تتركه في الداخل. قد تكون عابرة في أيامها، قصيرة في تفاصيلها، لكنها عميقة في أثرها، كأنها تفتح بابًا على نورٍ غير متوقّع، ثم تُغلقه سريعًا، فيبقى الضوء عالقًا في الذاكرة، يرافقنا حيثما ذهبنا. منذ تلك اللحظة، يبدأ الإنسان في النظر إلى العالم بعينٍ أخرى، ويصير أكثر وعيًا بما فقده أو بما لم يكن يعلم أنه كان ينقصه.

هناك لقاءات لا تأتي لتستقر في حياتنا، بل لتهزّها بهدوء. أشخاص يمرّون مرور العابر، لكنهم يتركون فينا شعورًا يشبه الوطن؛ وطنًا لا يمكن العودة إليه، ولا يمكن إنكاره في الوقت نفسه. نبحث بعدهم في الوجوه عن الإحساس ذاته، عن الصدى نفسه، فلا نجده، فنفهم متأخرين أن بعض التجارب لا تتكرّر لأنها لم تُخلق لتُعاد.

الخروج من حدود الخيال جميل، لأنه يمنح القلب فرصة أن يرى نفسه على حقيقته. لكن الأصعب هو العودة، حين ندرك أننا لم نعد الشخص نفسه، وأننا صرنا أوسع من أماكننا، وأكثر صمتًا مما كنّا، وأكثر فهمًا لوحدةٍ جديدة لم نعرفها من قبل. عندها نكتشف أن الرحلات الحقيقية لا تغيّر الجغرافيا، بل تعيد تشكيل الإنسان من الداخل.

نواصل حياتنا بعد ذلك لا بدافع النسيان، بل احترامًا للأثر. نمضي، نحمل الوطن الذي تركته تلك الرحلة فينا كسرٍّ خفيف، لا يُرى لكنه يغيّرنا. وندرك أخيرًا أن قيمة بعض اللحظات لا تكمن في دوامها، بل في قدرتها على أن تتركنا مختلفين إلى الأبد.