الرئيسية مقالات رأسُ الحيّة

رأسُ الحيّة

61
0

 

 

ا/محمد باجعفر

 

 

حين يكون إنسانًا

هناك سُمٌّ لا يُباع في القوارير،

ولا تحمله أنياب،

بل تحمله قلوبٌ امتلأت عتمة

حتى لم يعد فيها متّسعٌ للنقاء.

الأفعى حين تلدغ

تنهي الأمر سريعًا،

ألمٌ واضح

وجرحٌ يُرى

وعلاجٌ يُطلب.

أما أفاعي البشر

فتلدغ الروح ببطء،

وتتركك حيًّا

تتعافى ظاهرًا

وتنزف داخلك طويلًا.

هي لا تقترب صدفة،

بل تدرس طريقها إليك،

تعرف ما تحب،

وما تخاف،

وأين تضع قلبك حين تطمئن.

ثم تضرب هناك بالضبط.

يحدثونك عن الوفاء

وهم أوّل الهاربين،

يتغنّون بالصدق

وألسنتهم مدرّبة على التلوّن،

يذمّون الخيانة

وهم يمارسونها كمهارة يومية.

الأفعى في الصحراء

أشرف من بعض البشر،

فهي لا تخفي طبيعتها،

ولا تدّعي الطهر،

ولا تمثّل دور الضحية

بعد أن تبثّ سمّها.

أما هؤلاء

فيؤذونك

ثم يسألونك لماذا تغيّرت،

ويكسرونك

ثم يستغربون صمتك،

ويخونونك

ثم يتهمونك بسوء الظن.

يقتاتون على طيبة غيرهم،

ويعتبرون الصفح ضعفًا،

والصبر غباءً،

والنقاء فرصةً للصيد.

هم لا يشعرون بالذنب،

لأن قلوبهم اعتادت الظلام

حتى صار النور مؤلمًا لها.

الأخطر فيهم

أنهم لا يكرهونك لشيء فعلته،

بل لما أنت عليه:

لنقائك،

لصدقك،

لراحة ضميرك

التي تذكّرهم بسوء ما يخفون.

بعض البشر

لا يريدون أن يكونوا أفضل،

يريدون فقط

أن يروا الأفضل يسقط.

ولهذا

لا تنخدع بكل يدٍ تُصافحك،

ولا بكل عينٍ تلمع إعجابًا،

فبعض اللمعان

انعكاسُ سمٍّ

لا نورُ محبة.

تعلم أن تبقي قلبك حيًّا

لكن ليس مكشوفًا،

وأن تمنح الثقة بوعي

لا ببراءة زائدة.

فالندوب التي تصنعها أفاعي البشر

لا يداويها طبيب،

بل يداويها وعيٌ متأخر

وحذرٌ يولد بعد الألم.

وفي النهاية

لن يؤذيك الأشرار بقدر

ما يؤذيك الطيبون حين يسيئون الاختيار

فيمن يمنحونهم قلوبهم.